أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

80

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الوجه الثاني بقوله : « لا رجل منهم ولا امرأة إلا في الدار » . قوله : إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ في هذا الاستثناء غموض ، فقال الزمخشري : وقوله : « إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ » كالتكرير لقوله : « إِلَّا يَعْلَمُها » ، لأن معنى « إِلَّا يَعْلَمُها » ، ومعنى « إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ » واحد والكتاب : علم اللّه ، أو اللوح . وأبرزه الشيخ في عبارة قريبة من هذه ، فقال : « وهذا الاستثناء جار مجرى التوكيد ، لأن قوله : « وَلا حَبَّةٍ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ » معطوف على « مِنْ وَرَقَةٍ » والاستثناء الأول منسحب عليها ، كما تقول : « ما جاءني من رجل إلّا أكرمته ، ولا امرأة ، فالمعنى : إلّا أكرمتها ولكنه لما طال الكلام أعيد الاستثناء على سبيل التوكيد ، وحسنه كونه فاصلة انتهى . « وجعل صاحب النظم الكلام تاما عند قوله : « وَلا يابِسٍ » ، ثم استأنف خبرا آخر بقوله : « إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ » بمعنى : وهو في كتاب مبين أيضا ، قال : لأنك لو جعلت قوله : « إِلَّا فِي كِتابٍ » متصلا بالكلام الأول لفسد المعنى ، وبيان فساده في فصل طويل ذكرناه في سورة يونس في قوله : وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ « 1 » انتهى « قلت : إنما كان فاسد المعنى المعنى من حيث اعتقد أنه استثناء آخر مستقل ، وسيأتي كيف فساده ، أما لو جعله استثناء مؤكدا للأول كما قاله أبو القاسم لم يفسد ، وكيف يتصور تمام الكلام على قوله تعالى : وَلا يابِسٍ ، ويبتدأ ب « إِلَّا » ؟ وكيف يقع « إِلَّا » هكذا ، وقد نحا أبو البقاء لشيء مما قاله الجرجانيّ ، فقال « إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ » : أي : إلّا هو في كتاب مبين ، ولا يجوز أن يكون استثناء يعمل فيه « يَعْلَمُها » ، لأن المعنى يصير : وما تسقط من ورقة إلا يعلمها إلا في كتاب ، فينقلب معناه إلى الإثبات ، أي : إلا يعلمها في كتاب . وإذا لم يكن يعلمها إلا في كتاب ، وجب أن يعلمها في الكتاب ، فإذا يكون الاستثناء الثاني بدلا من الأول ، أي : وما تسقط من ورقة إلّا هي في كتاب وما يعلمها انتهى » . وجوابه ما تقدم من جعل الاستثناء تأكيدا ، وسيأتي هذا مقررا إن شاء اللّه تعالى في سورة يونس ، لأن له بحثا يخصه . قوله : بِاللَّيْلِ . متعلق بما قبله على أنه ظرف له ، والباء تأتي بمعنى « في » وقد قدمت « 2 » منه جملة صالحة . وقال أبو البقاء هنا - : وجاز ذلك لأن الباء للإلصاق ، والملاصق للزمان والمكان حاصل فيهما » . يعني فهذه العلاقة المجوزة للتجوز ، وعلى هذا فلا حاجة إلى أن ينوب حرف مكان آخر ، بل يقول هي هنا للإلصاق مجازا ، نحو ما قالوه في « مررت بزيد » . وأسند التّوفّى هنا إلى ذاته المقدسة ، لأنه لا ينفر منه هنا ، إذ المراد به الدّعة والراحة ، وأسند إلى غيره في قوله تعالى : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا « 3 » ، يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ « 4 » ، لأنه ينفر منه ، إذا المراد به الموت . وقوله : « ما جَرَحْتُمْ » الظاهر : أنها مصدرية ، وإن كان كونها موصولة اسمية أكثر ، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة بما بعدها ، والعائد على كلا التقديرين الأخرين محذوف ، وكذا عند الأخفش وابن السراج على القول الأول . و بِالنَّهارِ كقوله : « بِاللَّيْلِ » ، والضمير في « فِيهِ » عائد على « النهار » ، هذا هو الظاهر . قال الشيخ « 5 » : عاد عليه لفظا ، والمعنى في يوم آخر ، كما تقول : « عندي درهم ونصفه » . قلت : ولا حاجة في الظاهر إلى عوده على نظير المذكور ، إذ عوده على المذكور لا محذور فيه . وأما ما ذكر من نحو : « درهم ونصفه » فلضرورة انتفاء العي من الكلام ، قالوا : لأنك إذا قلت : « عندي درهم » علم أن عندك نصفه ضرورة ، فقولك بعد

--> ( 1 ) سورة يونس ، آية ( 61 ) . ( 2 ) انظر الكلام على آية ( 123 ) من سورة آل عمران . ( 3 ) سورة الأنعام ، آية ( 61 ) . ( 4 ) سورة السجدة ، آية ( 11 ) . ( 5 ) انظر البحر ( 4 / 147 ) .